(من الغياب إلى الفعل) قراءة في تحولات المجتمع المدني الكردي

آدمن الموقع
0
تظاهرة كردية في مدينة كولن الألمانية ضد انتهاكات وجرائم الاحتلال التركي  وميليشياته السورية | AfrinpostArabic
بقلم: ولات كوفار ( خاص/ مجلة Civaka me )
لا يمكن الحديث عن المجتمع المدني الكردي دون الإحالة إلى سياق القهر المزدوج الذي لازم الكرد لعقود طويلة. ففي حالتهم، لم يكن الغياب عن المساهمة المدنية ناتجاً عن تقصير فردي أو ضعف تنظيمي، بل نتيجة لإقصاء ممنهج ممارس من قبل الأنظمة السياسية والأمنية التي حكمت الكيانات التي قُسّمت إليها كوردستان، ولا سيما في الجزء الملحق بالكيان السوري، حيث تراكمت طبقات من التهميش الممنهج والاستبعاد السياسي والإنكار الثقافي.

لقد وُلد المجتمع المدني الكردي في بيئة تتسم بالإقصاء البنيوي، حيث كان التعبير عن الهوية الكردية مجرماً، وتُعامل أي محاولة لبناء تنظيم اجتماعي مستقل كردي على أنها خرق أمني. هذا الوضع أنتج ما يمكن تسميته بـ"الغياب القسري" للمجتمع المدني الكردي، حيث لم يُتح للكرد أدوات الفعل المدني المتاحة لغيرهم من المكونات الأخرى داخل الكيان السوري. لم يكن المجتمع المدني الكردي غائباً بإرادته أو قصوره، بل كان مغيّباً قسرياً ضمن منظومة دولة مركزية قوموية لا تعترف بالتعددية الثقافية ولا تسمح بالتنظيم الذاتي.

التحول من هذا الغياب إلى الفعل لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل كان ثمرة تحولات بنيوية بدأت بالتراكم منذ التسعينيات، عندما بدأت مجموعات شبابية كردية تتلمس طريقها نحو التعبير الثقافي واللغوي من خلال المنتديات السرية، والجمعيات الثقافية المقنّعة، والدورات اللغوية التي كانت تقام في البيوت. ورغم الطوق الأمني، فإن هذه الأنشطة مهدت الأرض لتحولات لاحقة، لأنّها خلقت وعياً جمعياً بأهمية التنظيم الذاتي والعمل المدني كرافعة للهوية والحقوق.

مع بداية الانتفاضة السورية عام 2011، وخصوصاً مع انسحاب جزئي للأجهزة الأمنية من بعض المناطق ذات الغالبية الكردية، انفتح المجال أمام الكرد لتشكيل نواة أولى لمجتمع مدني يتنفس بحرية نسبية. هذا السياق الجديد أتاح فرصاً غير مسبوقة لتأسيس منظمات تعنى بالتعليم، والإغاثة، والثقافة، وحقوق المرأة، والتنمية، والذاكرة. لقد خرجت عشرات المبادرات من رحم مجتمع كان حتى الأمس القريب ممنوعاً من الاجتماع في قاعة ثقافية.

لكن هذا الفعل المدني لم يأتِ من فراغ، بل حمل في طياته إرثاً ثقيلاً من القهر، وحمولة سياسية/هوياتية مركبة، جعلت المجتمع المدني الكردي مختلفاً في سماته ووظائفه عن مثيلاته في السياقات الأخرى. إذ لا يمكن للمجتمع المدني الكردي أن يكون "محايداً" بالكامل، لأنه يعمل في سياق يُعامل وجوده أساساً كفعل سياسي. وعليه، فإن الجمعيات الثقافية، والمراكز التعليمية، وحتى الفرق الفنية، تتحول تلقائياً إلى أدوات للمقاومة الرمزية في وجه سياسات الإنكار. من هنا، يتعين علينا فهم تحولات المجتمع المدني الكردي من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة: البعد التاريخي، والبعد السياسي، والبعد السوسيولوجي. فعلى الصعيد التاريخي، شهد الكرد فترات طويلة من القمع الذي أدى إلى تفكك البنى الاجتماعية التقليدية، وأضعف دور المؤسسات الوسيطة بين الفرد والدولة، وهو ما يجعل تجربة المجتمع المدني الكردي اليوم أشبه بعملية إعادة بناء من الصفر. أما على الصعيد السياسي، فالمجتمع المدني الكردي نشأ في ظلّ تعددية سياسية كردية داخلية، وتباين في المرجعيات الإيديولوجية والتنظيمية، الأمر الذي جعله عرضة للتأثيرات الحزبية، وإن حاول الحفاظ على استقلاله النسبي. أما البعد السوسيولوجي، فيكمن في التحولات العميقة التي طرأت على الفئات الشبابية والنسائية، والتي باتت ترى في العمل المدني وسيلة للتعبير والمشاركة، بعد عقود من التهميش داخل البنى العائلية والقبلية والسياسية. ولعلّ أكثر التحولات وضوحاً في المجتمع المدني الكردي هو بروز المرأة كفاعل مركزي. إذ لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته النساء الكرديات في تأسيس وإدارة منظمات نسوية، وحقوقية، وتنموية، سواء داخل سوريا أو في فضاءات الشتات. لقد شكلت هذه الديناميكيات لحظة تحرر مزدوج: من السلطة الأبوية التقليدية، ومن الإقصاء القومي الممنهج. ومثل هذا التحول ساهم في إغناء الفضاء المدني الكردي، ومنحه طابعاً تقدمياً يعيد تشكيل مفاهيم المواطنة، والدور، والهوية. ومع توسع الشتات الكردي، لا سيما بعد 2014، شهدت العواصم الأوروبية ولادة مجتمع مدني كردي في المنفى، يشتغل على قضايا الاندماج، والتعليم، والدفاع عن الحقوق، والتوثيق، والدبلوماسية العامة. هذه المنظمات الكردية في أوروبا باتت تشكل امتداداً لفضاء مدني لا يعترف بالحدود السياسية، ويمزج بين القضايا المحلية للمهاجرين، والقضايا القومية ذات البعد العابر للحدود. وهنا برزت محاولات عديدة لخلق روابط بين الداخل والخارج، عبر برامج تدريب، وتبادل خبرات، وتنسيق إعلامي، وحملات حقوقية دولية. لكن هذا الفضاء المدني ليس معزولاً عن التحديات. فهناك صراعات داخلية بين المنظمات الكردية نفسها، تتعلق بالتنافس الحزبي، والمرجعيات الفكرية، والخلافات الجيلية. كما أن مسألة التمويل تشكل عقبة كبيرة أمام استدامة الفعل المدني، حيث أن العديد من المبادرات تعتمد على تمويل خارجي، ما يجعلها عرضة لضغوط سياسية، أو تغيّر في الأولويات الدولية. إلى جانب ذلك، لا تزال البيئة القانونية في الداخل غير مستقرة، ويغيب الاعتراف الرسمي بالقانون المدني المستقل، ويُحاط الفعل المدني بشبكة من الشكوك، والمراقبة، والتهديدات، مما يحد من قدرته على العمل بحرية كاملة. كما أن الحرب المستمرة، وغياب الدولة، وتعدد القوى المسيطرة، تخلق بيئة محفوفة بالمخاطر للمجتمع المدني، الذي يجد نفسه أحياناً مضطراً للعب دور الدولة، في تقديم الخدمات، وبناء السلم الأهلي، وتمثيل السكان. ورغم كل هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن المجتمع المدني الكردي اليوم بات يشكل أحد أعمدة الوجود الكردي المعاصر. لقد انتقل من حالة الغياب القسري إلى الفعل الفاعل، ونجح في إعادة تعريف دوره كمجال مستقل عن السلطة، وموازٍ للسياسة، ومعبّر عن روح الجماعة. إنه ليس مجرد هيكل تنظيمي، بل فضاء يعيد إنتاج الذات الجمعية الكردية، ويساهم في تحويل الذاكرة الجماعية من سردية الألم إلى سردية الفعل.

وفي النهاية، يبقى الرهان الأكبر أمام المجتمع المدني الكردي هو في قدرته على تعزيز استقلاليته، وتوسيع نطاق شراكاته، وتجذير ثقافة العمل الجماعي، وتجاوز الانقسامات، وصناعة خطاب مدني جامع عابر للولاءات الحزبية. فالمجتمع المدني ليس فقط أداة مقاومة، بل هو أيضاً مدرسة مواطنة، ومساحة حرية، ومعمل لإنتاج المعنى، في سياق كردي يتوق إلى العدالة، والكرامة، والاعتراف.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!