المجتمع المدني هو الحل في تجاوز النزاعات السياسية والاجتماعية الكوردية في أوروبا

آدمن الموقع
0
بقلم: باور اليان/ خاص جريدة Civaka Me
تعيش الجالية الكوردية في أوروبا واقعًا مركّبًا ومزدوجًا، يحمل في طياته عناصر قوة واضحة، كما يعكس في الوقت ذاته أزمات بنيوية عميقة. فمن جهة، تُعد هذه الجالية واحدة من أكثر الجاليات نشاطًا وحيوية على مستوى القضايا القومية والثقافية والحقوقية، إذ نجحت خلال العقود الماضية في بناء حضور لافت في المشهد العام الأوروبي، سواء عبر الفعاليات الثقافية، أو الحملات الحقوقية، أو النشاط الإعلامي والسياسي المتعلق بقضية الشعب الكوردي. غير أن هذا الحضور، على أهميته، يبقى منقوصًا ومحدود التأثير بفعل الانقسامات السياسية والاجتماعية الحادة التي تعصف بالجالية من الداخل، وتنعكس سلبًا على وحدتها وقدرتها على التحول إلى قوة ضغط حقيقية وفاعلة.

هذه الانقسامات ليست وليدة السياق الأوروبي بحد ذاته، بل هي في جوهرها امتداد مباشر للصراعات الحزبية والسياسية في الداخل الكوردي، التي تم ترحيلها إلى فضاء الاغتراب دون مراجعة نقدية أو إعادة تفكير في جدواها. وبدل أن تتحول الجالية في أوروبا إلى مساحة للتقارب وتجاوز الخلافات، أصبحت في كثير من الأحيان ساحة جديدة لإعادة إنتاج الاستقطاب الحزبي، الأمر الذي أدى إلى تشرذم المؤسسات، وتضارب المبادرات، وإضعاف الثقة بين مكونات الجالية المختلفة. ونتيجة لذلك، تراجعت مكانة الجالية الكوردية كفاعل موحد، وتحولت إلى مجموعات متنافسة تتنازع التمثيل والشرعية بدل أن تتكامل في خدمة قضية جامعة.

في ظل هذا المشهد المأزوم، يبرز المجتمع المدني بوصفه الخيار الأكثر واقعية ونجاعة لتجاوز حالة الانقسام المستدامة. فالأحزاب السياسية، مهما بلغت أهميتها ودورها التاريخي، تبقى محكومة بمنطق الصراع والأجندات الخاصة والحسابات الضيقة، وهي غالبًا عاجزة عن إنتاج مساحة جامعة تتسع لجميع الكورد بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم. في المقابل، يمتلك المجتمع المدني مرونة أكبر وقدرة حقيقية على بناء فضاء مشترك، يقوم على المصالح العامة والقيم الإنسانية والحقوقية، ويتيح للكورد الالتقاء حول قضايا تتجاوز الاصطفاف السياسي، مثل الحفاظ على الهوية الثقافية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعزيز الاندماج الإيجابي في المجتمعات الأوروبية دون الذوبان أو فقدان الخصوصية.

وتتجلى أهمية المجتمع المدني بصورة أوضح في علاقته مع المؤسسات الأوروبية الرسمية وغير الرسمية. فالاتحاد الأوروبي، والبرلمانات الوطنية، والمنظمات الحقوقية والإنسانية، لا تتعامل عادة مع الخطاب الحزبي المؤدلج بقدر ما تصغي بجدية إلى المنظمات المدنية التي تعتمد لغة القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والمواطنة. ومن هذا المنطلق، فإن امتلاك الجالية الكوردية لبنية مدنية قوية، مهنية، ومستقلة، يمنحها فرصة أكبر للتأثير في الرأي العام الأوروبي، وللوصول إلى مراكز صنع القرار، ولطرح القضايا الكوردية ضمن أطر مفهومة ومقبولة في السياق الغربي.

إن الحل العملي لهذه الإشكالية يكمن في جملة من الخطوات المتكاملة، في مقدمتها تعزيز العمل المؤسسي المدني المستقل، وتحصينه من الهيمنة الحزبية المباشرة أو غير المباشرة، بما يضمن مصداقيته واستمراريته. كما يقتضي الأمر العمل على بناء مظلات مدنية جامعة، قادرة على تنسيق الجهود وتوحيد الخطاب، وتجاوز حالة التشتت التي أضعفت الجالية لسنوات طويلة. وإلى جانب ذلك، تبرز أهمية خاصة للتركيز على الأجيال الجديدة من أبناء الجالية، وإشراكها بفعالية في العمل المدني والثقافي، بما يساهم في إنتاج قيادات شابة أكثر انفتاحًا، وأقل ارتهانًا لإرث الصراعات والانقسامات التاريخية.

وخلاصة القول، إن تجاوز النزاعات السياسية والاجتماعية التي تعاني منها الجالية الكوردية في أوروبا لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة إنتاج الخطابات ذاتها أو تعميق الاصطفافات القائمة، بل يتطلب إعادة توجيه البوصلة نحو المجتمع المدني، باعتباره الأداة الأكثر فاعلية لتوحيد الجهود، وحماية الهوية الكوردية، وبناء حضور مؤثر ومستدام أمام الرأي العام وصنّاع القرار في الغرب، بما يخدم مصالح الجالية وقضية الشعب الكوردي على حد سواء.




إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!