بين السردية الوطنية والهامش الكردي (المجتمع الكردي في سوريا إلى أين؟)

آدمن الموقع
0
بقلم: باور آليان (خاص/ مجلة الفكر الحر)
في زمنٍ تتقاطع فيه الأسئلة المصيرية حول مفهوم الدولة والهوية والانتماء، تعود المسألة الكردية في سوريا إلى الواجهة باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في سياق بناء وطنٍ تعددي حقيقي. ليست هذه العودة وليدة المصادفة أو الظرف الطارئ، بل هي نتاج لتراكمات تاريخية من التهميش والإنكار، ومحصلة لصعود وعي جمعي كردي بات يرفض أن يُختزل في الهامش أو أن يُحشر في زوايا الصمت. ففي دولة لم تعرف يومًا كيف تتعامل مع تعدديتها الإثنية والثقافية، يقف الكرد اليوم في مواجهة مفتوحة مع سردية وطنية حاولت، على مدى قرن، أن تنفي وجودهم أو تُذيبهم في هوية أحادية مغلقة.

منذ نشوء الدولة السورية الحديثة، ظل النموذج القومي العربي هو المهيمن على المجال السياسي والدستوري والثقافي، وغُيّبت بقية المكونات – وفي طليعتها الكرد – من الخريطة الرسمية. لقد تمّت صياغة الهوية الوطنية السورية وفق تصور عروبي مركزي، استبعد كل ما هو مختلف، ونظر إلى التعددية بوصفها تهديدًا وجوديًا لا ثراءً بنيويًا. وهكذا تحوّلت الهوية من مساحة مشتركة جامعة إلى قيدٍ إقصائي يُفرض من فوق. في هذا السياق، لم يكن غريبًا أن يُحرَم مئات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية، وأن تُمنع لغتهم من التداول، وتُصادَر ثقافتهم، وتُقمع محاولاتهم في التنظيم المدني أو السياسي. إنها ليست مجرد سياسات عابرة، بل نمط بنيوي في الحكم والإدارة والتصور القومي العام. الكرد في سوريا لم يكونوا يومًا جزءًا من السردية الرسمية، بل ظلوا يُنظر إليهم بوصفهم وافدين، غرباء، أو في أحسن الأحوال "أقليات" لا تستحق إلا ما يُمنح لها بمزاج السلطة. غير أن التحولات الكبرى التي عصفت بسوريا بعد عام 2011 فتحت الباب أمام إعادة تعريف للمفاهيم الكبرى. فمع انحسار قبضة الدولة المركزية في كثير من المناطق، ومع صعود قوى مجتمعية جديدة، استطاع الكرد أن ينتقلوا من موقع الضحية الصامتة إلى الفاعل الواعي والمنظم. لقد شكلت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا محاولة جريئة لبناء نموذج بديل يقوم على أساس التعدد والمساواة والاعتراف.

هذه التجربة، رغم ما يُثار حولها من نقاشات وانتقادات، تؤكد أن الكرد لا يسعون إلى الانفصال كما يُروَّج، بل إلى شراكة حقيقية في وطن يعترف بهم ويضمن لهم حقوقهم في إطار دولة مدنية تعددية. وهم يدركون جيدًا أن قوة مشروعهم تكمن في ربط المطالب القومية بالمطالب الديمقراطية العامة، بحيث لا تكون القضية الكردية قضية إثنية فقط، بل مدخلاً لإصلاح بنيوي في بنية الدولة والمجتمع. وفي هذا الإطار، يكتسب ظهور شخصيات فكرية وأكاديمية كردية في الإعلام دورًا محوريًا في نقل هذا الوعي إلى المجال العام. وهنا تطرح الأسئلة الملحة نفسها: هل نحن أمام فرصة لإعادة تأسيس سوريا كدولة تعددية مدنية حقيقية، أم أننا سنعيد إنتاج المنظومة القديمة بأقنعة جديدة؟ هل تعي النخبة السياسية السورية أن الكرد ليسوا ورقة تفاوض، بل أحد الأعمدة الأساسية في بناء الوطن؟ وهل هناك استعداد حقيقي للاعتراف بأن التعددية ليست تهديدًا، بل هي الحصن الوحيد ضد الانهيار والتفكك؟. إن المجتمعات التي ترفض الاعتراف بتعددها، تُقصي جزءًا منها، وبالتالي تفقد جزءًا من مشروعيتها الأخلاقية والسياسية. وسوريا، إن أرادت أن تعود وطنًا لكل أبنائها، لا بد لها أن تُعيد تعريف هويتها الوطنية لتشمل الكرد لا أن تنفيهم، ولتعترف بخصوصيتهم لا أن تذيبهم.

خصوصية المجتمع الكردي لا تقتصر على اللغة والثقافة، بل تمتد إلى أنماط التنظيم المجتمعي، وشكل العلاقة مع الأرض، والتصورات حول العدالة والحقوق والكرامة. هذه الخصوصية لا تلغي الانتماء إلى سوريا، بل تعمّقه وتمنحه بعدًا حقيقيًا. لأن الانتماء القسري لا يصنع مواطنين، بل أسرى، بينما الانتماء الطوعي القائم على الاعتراف هو وحده ما يبني الأوطان. ومن هذا المنطلق، لا بد لأي مشروع دستوري مستقبلي أن يكرّس رسميًا الحقوق القومية للكرد، لغةً، وثقافةً، وتمثيلاً سياسيًا، وإدارة ذاتية في مناطقهم، ضمن إطار السيادة السورية. إن هذا الاعتراف لا يعني تفكيك الدولة، بل إعادة تركيبها على أسس أكثر عدلاً وتوازنًا.

إن تجاهل هذا البعد سيقود عاجلًا أم آجلًا إلى انفجار سياسي واجتماعي لا يمكن احتواؤه. والتاريخ القريب في المنطقة شاهد على أن إنكار التعدد لا يولد إلا الصراع، بينما الاعتراف الواعي يصنع الاستقرار. وإذا كانت المرحلة السابقة قد شهدت تغييبًا مقصودًا لصوت الكرد، فإن المرحلة القادمة يجب أن تشهد انخراطهم الكامل كشركاء حقيقيين في رسم مستقبل سوريا. هذا الانخراط لن يتحقق إلا إذا تمت إعادة صياغة السردية الوطنية السورية، بحيث تتحول من سردية إقصاء إلى سردية شراكة، ومن خطاب الهوية الواحدة إلى خطاب الهويات المتعددة والمتعايشة.

إن الكرد، وهم يسيرون في مسار بناء ذاتهم وتثبيت وجودهم، لا يفعلون ذلك في فراغ، بل في سياق وطني وإقليمي ودولي مليء بالتعقيدات. ومع ذلك، يظلون ملتزمين بخيار الحل السلمي والديمقراطي، ويواصلون العمل من أجل بناء نموذجهم، لا بوصفه بديلاً عن الوطن، بل نواةً لوطن ممكن.

في المحصلة، إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس ما إذا كان للكرد حق، بل: كيف يمكن لسوريا أن تستمر دون الاعتراف بهذا الحق؟ وما لم يُكتب هذا الحق في صلب الدستور، ويُمارس فعليًا في كل مؤسسات الدولة، فإن كل حديث عن وحدة سوريا وسيادتها سيبقى بلا مضمون. لأن السيادة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالمكونات، والشراكة الحقيقية تُبنى على قاعدة العدالة لا الإنكار.ولذلك، إذا كانت هناك من أولوية في سوريا المستقبل، فهي أن تتحول القضية الكردية من ملف معلق إلى قضية تأسيسية، تُعالج ليس بالمناورات، بل بالإرادة السياسية الصادقة، والرؤية الوطنية الجامعة.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى الكرد على العهد: شعبًا يصنع مستقبله بوعيه وإرادته، ويحمل مشروعه بوصفه حجر الزاوية في أي وطن يُراد له أن يكون للجميع.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!