إعداد: فريق مجلة " Civaka me "
في ظل التحولات العميقة التي شهدتها سوريا منذ عام 2011، برزت الحاجة إلى مراجعة جذرية في طبيعة الأدوات النضالية والسياسية والثقافية التي يعتمد عليها الشعب الكُردي في مسيرته نحو نيل الحقوق القومية والإنسانية. وعلى الرغم من أن النضال السياسي والعسكري قد احتل مساحة كبرى في العقود الماضية، فإن النقص في بناء مؤسسات مجتمع مدني فعّالة شكّل أحد الثغرات البنيوية في المشروع الكُردي السوري. من هنا، تأتي أهمية المجتمع المدني لا بوصفه قطاعًا ثالثًا بين الدولة والسوق فحسب، بل كضرورة إستراتيجية تتصل جوهريًا بقدرة الكُرد السوريين على بناء ذاتهم كمجتمع منظم، واعٍ، وفاعل في إطار سوريا جديدة.
المجتمع المدني – المفهوم والدلالة
يتجاوز مفهوم المجتمع المدني التعريفات الكلاسيكية التي تحصره في الجمعيات والمنظمات غير الحكومية. ففي السياق الكُردي، ينبغي فهم المجتمع المدني كمجال اجتماعي – ثقافي – سياسي مستقل نسبياً عن السلطة السياسية والاقتصادية، يتشكّل من المؤسسات التي تعبّر عن إرادة المواطنين وتُنظم نشاطهم في فضاء عمومي، وتُسهم في تعزيز القيم الديمقراطية، والعدالة، والمساءلة، والتمكين المجتمعي.
وهو بهذا المعنى، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة بنيوية لأي مشروع نهضوي، خاصة لشعب محروم من حقوقه التاريخية ويواجه تحديات وجودية في ظل مركزية الدولة القومية وغياب التمثيل السياسي العادل.
السياق الكُردي في سوريا – الحاجة إلى بنية مجتمع مدنيية
في العقود التي سبقت الثورة السورية، خضع الكُرد في سوريا لسياسات تهميش قومي وإقصاء ثقافي وتجريد من الجنسية والحقوق الأساسية، ما أعاق بشكل مباشر نشوء مجتمع مدني حر ومستقل. ورغم بعض المبادرات الخجولة في بدايات الألفية الجديدة، فإن الانفجار المجتمعي في 2011 كشف هشاشة البنية المدنية الكُردية، التي كانت في غالبيتها محصورة في الأطر الحزبية أو مبادرات تطوعية محدودة الانتشار.
ومع تصاعد الدور الكُردي في شمال وشرق سوريا بعد عام 2012، أتيحت فرصة فريدة أمام الكُرد لبناء مؤسسات مجتمع مدني مستقلة وفعالة. لكن هذه الفرصة لم تُستثمر بما يكفي، حيث هيمنت البُنى الحزبية/الإدارية على الحيّز العام، ما أعاق نمو مجتمع مدني قادر على أن يكون جسراً بين القاعدة الشعبية ومراكز القرار.
الوظائف الإستراتيجية للمجتمع المدني في الحالة الكُردية السورية
1. تعزيز الهوية الثقافية والاجتماعية الكُردية
في مواجهة عقود من الصهر الثقافي، يُعتبر المجتمع المدني أداة مركزية في إعادة إنتاج وبث الهوية الكُردية بلغة معاصرة. فالجمعيات الثقافية، والمنصات الإعلامية، والمبادرات التربوية المستقلة، جميعها تشكل أدوات مقاومة ناعمة لإحياء اللغة، والأدب، والفن، والذاكرة الجمعية الكُردية.
إعادة بناء الثقة المجتمعية والتماسك الداخلي:
Ø أدى تفكك النسيج الاجتماعي في سوريا إلى تنامي الانقسامات الإثنية والسياسية والمناطقية. ويمكن للمجتمع المدني الكُردي أن يلعب دورًا محوريًا في إعادة لحمة المجتمع، من خلال مبادرات المصالحة، ودعم الضحايا، وتمكين النساء والشباب، وتكريس قيم الحوار.
Ø تمكين الفئات المهمشة
Ø تلعب منظمات المجتمع المدني دورًا حاسمًا في تمكين الشرائح المهمشة من نساء، شباب، وأشخاص ذوي إعاقة، وذلك عبر مشاريع التنمية وبناء القدرات والدفاع عن الحقوق. وهذه الوظيفة تكتسب أهمية خاصة في المجتمع الكُردي الذي عانى من تهميش متعدد الأبعاد.
Ø ربط القضية الكُردية بالمجتمع الدولي
Ø يُعدّ المجتمع المدني قناةً حيوية للتواصل مع الفضاء الدولي، من خلال بناء شبكات تضامن، وتوثيق الانتهاكات، ورفع صوت القضية الكُردية إلى المنظمات الأممية. هذا الدور لا يمكن للأحزاب وحدها أن تؤديه، خاصة في ظل تعقيدات السياسة الإقليمية.
معوقات بناء مجتمع مدني كُردي مستقل
رغم إدراك العديد من الفاعلين الكُرد لأهمية المجتمع المدني، إلا أن ثمة معوقات بنيوية ما تزال تحول دون نضوجه، أبرزها:
-الهيمنة الحزبية على الفضاء المدني: كثير من منظمات المجتمع المدني تعمل تحت مظلة الأحزاب، ما يضعف استقلاليتها.
-نقص التمويل والتدريب: غياب التمويل المستدام وندرة البرامج التدريبية يحد من مهنية وكفاءة هذه المنظمات.
-غياب البيئة القانونية: عدم وجود إطار قانوني يعترف بالمجتمع المدني في شمال سوريا يضعف شرعيته ويحد من نشاطه.
-ضعف التنسيق والشبكات: معظم المبادرات المدنية تعمل بشكل فردي دون بناء شبكات تنسيق فعّالة على مستوى الداخل والشتات.
شروط النهوض بالمجتمع المدني الكُردي في سوريا
لإعادة بناء مجتمع مدني فعّال ومؤثر، يجب تحقيق جملة من الشروط:
1. تحييد الفضاء المدني عن الصراع السياسي الحزبي.
2. دعم الاستقلالية القانونية والمالية للمؤسسات المدنية.
3. إطلاق برامج تدريب مستدامة في الإدارة والحوكمة والعمل الميداني.
4. خلق شبكات تنسيق بين المنظمات داخل سوريا وفي الشتات.
5. تشجيع التعددية الفكرية والثقافية في العمل المدني.
المجتمع المدني والمستقبل السياسي للكُرد في سوريا
لا يمكن فصل مستقبل القضية الكُردية عن المسار العام للدولة السورية القادمة. فالنضال من أجل الحقوق القومية لا ينفصل عن السعي لبناء دولة قانون ومواطنة. وفي هذا الإطار، يشكّل المجتمع المدني ركيزة لبناء تمثيل كُردي عادل داخل منظومة سوريا المستقبل، خاصة إذا كان هذا التمثيل قائمًا على قواعد ديمقراطية وشراكة مجتمعية حقيقية.
إن أي مشروع سياسي كُردي لا يُعزز القاعدة المجتمعية ولا يستند إلى قوى مدنية فعّالة، سيكون عرضة للانهيار أو العزلة. والعكس صحيح: فكلما كان المجتمع المدني الكُردي قويًا، منظمًا، ومستقلاً، كلما ازدادت فرص التأثير الكُردي على الساحة السورية والإقليمية.
إن بناء مجتمع مدني كُردي فعّال ليس خيارًا ثانويًا أو ترفًا نظريًا، بل ضرورة إستراتيجية تتصل بصميم بقاء الكُرد كشعب وكمجتمع سياسي – ثقافي في سوريا المستقبل. فبين التحديات البنيوية والفرص الممكنة، تقع مسؤولية النخب الكُردية – لا سيما المثقفين، الشباب، والنساء – في خوض غمار العمل المدني بروح جماعية، عقلانية، واستقلالية، تُعبّد الطريق نحو كُردية أكثر تنظيمًا، وفاعلية، وشراكة في تقرير مصيرها ضمن إطار وطني تعددي.